الشيخ محمد رشيد رضا

230

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الماسونية ، والجاهلين بقوة الاسلام وعزته ، وحقيقته وحقيته . فبثوا دعوة الكفر وأباحوا كبائر الفسق . وفرقوا الكلمة الاسلامية . وفتكوا بالأمة العربية . بعد أن جندوا منها زهاء خمسمائة ألف جندي تقاتل في سبيلهم . فقتلوا وصلبوا شبانها وكهولها النابغين . ونفوا الولدان والنساء والشيوخ العاجزين . فمهدوا السبيل لثورة الحجاز . وخسروا ما للأمة العربية من القوة العسكرية والروحية في وقت الحاجة القصوى إلى الاتحاد ، فأنى ينتصرون ، أو ينتصر بهم من يحالفون ؟ وأما جيش الأناضول الذي أيده اللّه تعالى على قلته فإنه يدافع عن الحق والحقيقة وقد أحسن زعيمه الأكبر ( مصطفى كمال باشا ) أنه لم يسمح لأحد من زعماء أولئك الغلاة بدخول الأناضول في هذه الأثناء لئلا يفسدوا على البلاد أمرها ، على أنهم قد عرفوا خطأهم وضلالهم من الوجهة السياسية والاجتماعية . وعرفوا قيمة الرابطة الاسلامية . فطفقوا يسعون إلى جمع كلمة المسلمين . والتأليف بينهم وبين البلشفيين الروسيين ، للاستعانة بهم على مقاومة المستعمرين ، وجعل شعوب الشرق ولا سيما الاسلامية منها حرة مستقلة . وقد قويت آمال هذه الشعوب في الاستقلال . وطفقوا يعقدون المعاهدات بينهم وبين حكومة مصطفى كمال ، ولم يشذ عن هذه الوحدة الشرقية ، غير شعب من الشعوب الاسلامية . كان أولاها بطلب الوحدة . والدعوة إلى جمع الكلمة . ولكن خدعه زعماؤه . وأضله سادته وكبراؤه . على تفاوت بينهم في هذا الضلال والاضلال . وشرهم من غش قومه وصرفهم عن حقيقة معنى الاستقلال . بتسميته الأشياء بأسماء الاضداد . كاطلاق اسم المساعدة والانتداب على الاستعمار المرادف للاستعباد . وزعم أن السلطة الأجنبية ضربة لازب . وأن مناصبتها ضرب من الجنون وولاءها هو الواجب وسيعلم المفتونون بغشهم أي الفريقين أقوم قيلا . وأحسن عاقبة ومصيرا ويقولون ( رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) ومن آيات اللّه وحججه على اليائسين ومرضى القلوب أنه تعالى جده ألقى الفشل السياسي بين الدول المحتلة لبلاد الأناضول والقسطنطينية والرومللي فسالم المسلمين فيها الطليان ، ثم صالح الكماليين فيها الفرنسيس ، وخذل اللّه تعالى اليونان المجاهرة بالعداوة والمنفردة بالحرب ، اعتمادا على مساعدة الدولة البريطانية التي لم تتحول عن سياستها القديمة في ضرب الأمم بعضها ببعض ، وخلق لهذه الدولة